ليس أمام الصغار

بقلم: فؤاد سلامة

يعرف الكبار أن التدخين أمام الأطفال ليس بالتصرف الجيد لأن المدخن يعطي صغاره مثالاً سيئاً يقتدون به.. والشيء ذاته بالنسبة للكذب حتى لو كان مما يوصف بالكذب الأبيض.. فالصغير يتعلم الكلام بالإصغاء لما يقوله المحيطون به وملاحقة حركات شفاههم، ويتعلم الحياة من أفعال المحيطين به أيضاً.

إلى جانب الكذب والتدخين فهل تعلم أن جلوس الأبوين أو أحدهما لساعات أمام التلفزيون يعلم الصغار الكسل والخمول، حتى لو كان الأبوان ممن يمارسون الرياضة يومياً في أفضل النوادي الرياضية لأن المهم هو أن يرى الصغار بأنفسهم أن الكبار بعيدون عن الخمول ويمارسون الرياضة فيقلدونهم.

ومن غير المعقول أن تطالب أطفالك باللعب والحركة والنشاط في حين أنك تقضي الساعات أمام التلفزيون.. ومن غير المقبول أن تسارع فور عودتك من العمل للجلوس أمام التلفزيون لأن الصغار في هذه الحالة لن يكتفوا بتقليدك فقط بل سوف يعتقدون أنك تمارس الكسل والخمول طوال اليوم حتى أثناء وجودك في مقر عملك، ولا يفيدك القول إنك تتعب كثيراً في عملك وتريد الراحة والاسترخاء بعد عناء النهار.. لن يصدقوا حتى ولو تظاهروا بالعكس.

التصرف الصحيح كما تقول الدكتورة الأميركية كاري كونتي المتخصصة في علم النفس السريري وفي شؤون الأبوة والأمومة هو أن تمارس الرياضة مع أطفالك، وتأجيل التلفزيون إلى ما بعد ذهابهم الى النوم.

أسرار

عندما تقول لصغيرك: لا تخبر أمك/ أباك أني قلت كذا أو فعلت كيت أو التقيت فلاناً أو ذهبت إلى هذا المكان أو ذاك.. قد تعتقد أنك لا تلحق ضرراً بالغاً بعقلية الصغير وقد تعتقد أنها مجرد علاقة قوية تربطك بالصغير تجعلك تطلب منه الاحتفاظ بسر لا تريد من أمه/ أبيه أن يعرفه، حتى لو كان سراً تافهاً لا قيمة له.

تصرفك بهذه الطريقة يزرع في عقلية الصغير فكرة يستحيل اقتلاعها بأن من المقبول الكذب على شريك العمر، وأن من المقبول أيضاً وجود أسرار بين الزوجين كما تقول الدكتورة المتخصصة في علم النفس أليسون شيفر في كتاب من تأليفها بعنوان «حبيبي.. دَمَّرْتُ أطفالي».

إغاظة الصغير

قد يحلو لك أن تغيظ صغيرك أمام غيره ولو على سبيل المزاح فتقول له مثلاً إنه سيتحول إلى بطيخة إذا ابتلع بذور البطيخ.

لن يفهم الصغير أنك تمزح أو أن هذه هي طريقتك في تعليمه ضرورة تجنب ابتلاع البذور.. سوف يتملكه الرعب وقد يرافقه هذا الرعب طوال حياته وقد يكره البطيخ كل عمره وليس البذور فقط.

الآيباد والآيفون

إذا كان مقبولاً لديك أن يقضي صغيرك الذي لم يكمل المرحلة الابتدائية بعد، أو ربما لم يصل مرحلة الروضة، جل وقته مع أي من الأجهزة المذكورة أو غيرها من الأجهزة الإلكترونية فلا بأس من أن تقضي الوقت مع الآيباد والآيفون أيضاً، أما إذا كنت تريده أن يتزود بالمعرفة عن طريق القراءة والمطالعة أو تريده أن ينمي مواهبه بممارسة ألعاب أو هواية مفيدة عقليا فالمطلوب منك أن تقلع عن قضاء الوقت مع الآيباد أو الآيفون، على الأقل إلى أن ينام الصغار.

فقدان الأعصاب

قد تفقد أعصابك لأي سبب كان، لكن حاول أن تضبط هذه الأعصاب أثناء وجود الأطفال.. فقد يخسر فريقك الرياضي المفضل مباراته أو سيهطل المطر بغزارة ويعطل زيارة كنت تعتزم القيام بها.

إذا فقدت أعصابك بسبب المطر أو بسبب خسارة فريقك المفضل أو لأي سبب آخر فسوف يتصور الصغير أنه هو السبب وأنك فقدت أعصابك بسببه.. سوف يتملكه الرعب مهما حاولت إفهامه أن لا علاقة له بالأمر كما تقول الدكتورة سوزان نيومن المتخصصة في علم نفس الطفل ومؤلفة العديد من الكتب المتخصصة.

الأطفال مثل الببغاء

قد يحلو لك الاستهزاء أو انتقاد هذا أو ذاك من المعارف أو الأقارب أو الجيران، وقد تكون محقاً في استهزائك وفي انتقاداتك لهم لكن إياك أن تفعل أمام الصغار لأنك إن فعلت فسوف ينطبع استهزاؤك وانتقاداتك في عقولهم البريئة وقد يكررون ما قلت أمام ذاك القريب أو الجار.

هناك حكاية تقول إن سيدة ذهبت لزيارة سيدة تعرفها فما ان جلست حتى راحت ابنة صاحبة البيت تدور حولها وعندما تكرر دورانها قالت لها السيدة: حبيبتي عن ماذا تبحثين؟ فردت الصغيرة: أبحث عن وجهك الثاني لأن الماما تقول انك بوجهين.

المدرسة والمدرسون

من المحتمل أنك لا تزال تتذكر بعض المواقف الطريفة عن أستاذ أو أكثر من أيام دراستك، وقد يحلو لك أن تروي هذه الطرائف لصغيرك بهدف التسلية وقتل الوقت وقد يتطور الأمر فتسترسل ويتحول الحديث للهزء من أحد أساتذة الصغير كنت قابلته في اجتماع أولياء الأمور مثلاً أو في الطريق.

قد تتصور أن المسألة ليست سوى مزاح في مزاح لكنها في الحقيقة ليست كذلك لأن الصغير سوف يفهمها بطريقة مختلفة.. سوف يفهم مزاحك على أنه دليل على عدم احترامك لمدرستك ولمدرسته وأساتذته أيضاً.. فهل تتوقع منه بعد ذلك أن يحترم مدرسته أو مدرسيه؟!

الكذب الأبيض

عندما يتصل بك أحد معارفك أو يأتي لزيارتك فتطلب من الصغير أن يكذب ويقول إنك غير موجود أو نائم.. أو عندما يوقفك شرطي المرور لأنك تقود سيارتك بسرعة وتقول له كذباً إنك مستعجل لأن ابنك أو ابنتك أو أياً من أقاربك في المستشفى، مع أن الابن أو الابنة يضحكان في سرهما إلى جانبك في السيارة، ولا أقارب لك في المستشفى.. أليس هذا درساً في الكذب تقدمه لصغارك لأنهم يعرفون جيداً أنك ذاهب إلى مكان آخر لا علاقة له بالمستشفى وأنك تكذب؟

هل في استطاعتك بعد أن كذبت أمامهم أن تعاقبهم إذا كذبوا.. أم أن الكذب حلال عندك وحرام عندهم؟

سوف يقلدونك حتماً ولن يكون في وسعهم التمييز بين الكذب في الأمور الكبيرة أو الكذب في الأمور الصغيرة ولن يستطيعوا التمييز بين ألوان طيف الكذب ليعرفوا أن هذا أبيض مقبول وذاك أسود مرفوض.

المصدر: جمعية نقاء

503 Service Unavailable

Service Unavailable

The server is temporarily unable to service your request due to maintenance downtime or capacity problems. Please try again later.

Additionally, a 503 Service Unavailable error was encountered while trying to use an ErrorDocument to handle the request.